محمد بن جرير الطبري
202
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ينسلخ . وقوله جل ثناؤه : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومعنى الصد عن الشيء : المنع منه ، والدفع عنه ، ومنه قيل : صد فلان بوجهه عن فلان : إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه . وقوله : وَكُفْرٌ بِهِ يعني : وكفر بالله ، والباء في به عائدة على اسم الله الذي في سبيل الله . وتأويل الكلام : وصد عن سبيل الله ، وكفر به ، وعن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام ، وهم أهله وولاته أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال في الشهر الحرام . فالصد عن سييل الله مرفوع بقوله أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وقوله : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف على الصد ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ يعني : الشرك أعظم وأكبر من القتل ، يعني من قتل ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام . وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ معطوف على " القتال " وأن معناه : يسألونك عن الشهر الحرام ، عن قتال فيه ، وعن المسجد الحرام ، فقال الله جل ثناؤه : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال في الشهر الحرام . وهذا القول مع خروجه من أقوال أهل العلم ، قول لا وجه له ؛ لأَن القوم لم يكونوا في شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة ، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم ، وهل ذلك كان لهم ؟ بل لم يدع ذلك عليهم أحد من المسلمين ، ولا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وإذ كان ذلك كذلك ، فلم يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عما ارتابوا حكمه كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي ، إذ ادعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الشهر الحرام ، فسألوا عن أمره ، لارتيابهم في حكمه . فأما إخراج المشركين أهل الإِسلام من المسجد الحرام ، فلم يكن فيهم أحد شاكا أنه كان ظلما منهم لهم فيسألوا عنه . ولا خلاف بين أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله . ذكر الرواية عمن قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني الزهري ، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأَولى ، وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأَنصار أحد ، وكتب له كتابا ، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره ، ولا يستكره من أصحابه عبد الله بن جحش أحدا . وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة بن ربيعة ومن بني أمية ابن عبد شمس ، ثم من حلفائهم عبد الله بن جحش بن رياب ، وهو أمير القوم ، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة ، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم ، ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص ، ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم ، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عويم بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة ، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم ، ومن بني الحرث بن فهر سهيل بن بيضاء . فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه ، فإذا فيه : وإذا نظرت إلى كتابي هذا ، فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ، فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم . فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة ثم قال لأَصحابه عبد الله بن جحش : قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض لأَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى أصحابه عبد الله بن جحش معه ، فلم يتخلف عنه أحد ، وسلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران ، أضل سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا عليه يعتقبانه ، فتخلفا عليه في طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة ، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم ، وقد نزلوا قريبا منهم ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن ، وقد كان حلق رأسه ؛ فلما رأوه أمنوا وقالوا : عمار لا بأس علينا منهم وتشاور القوم فيهم ، وذلك في آخر يوم من جمادي ، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ، ولئن قتلتموهم لنقتلنهم